شركات التبغ تخسر معركة إعلانات التدخين 

 
8/11/2012 

خسرت شركات التبغ والريجي جولة جديدة في معركة تطبيق قانون الحدّ من التدخين وتنظيم صنع منتجات التبغ وتغليفها والترويج لها. لكن ذلك لم يعطّل مسعاها المستمر لإفراغ القانون من مضمونه وتعطيل صدور المراسيم التنظيمية بما يتوافق مع مصالحها
بسام القنطار

رغم تصديق المجلس النيابي على القانون رقم ١٧٤ (الحد من التدخين وتنظيم صنع وتغليف ودعاية منتجات التبغ) في أيلول العام الماضي، وصدور مرسوم تنظيم لافتات الإعلان عن بيع منتجات التبغ في ٢٥ كانون الثاني الماضي، فإن الإعلانات الترويجية للدخان لا تزال موجودة بكثرة داخل التعاونيات والسوبرماركت. وكان المدير العام لوزارة الصحة وليد عمار، قد أرسل في ٢٤ شباط الماضي كتاباً إلى نقابة أصحاب التعاونيات والسوبرماركت طلب فيه التقيد بنصوص القانون لجهة منع إعلانات المواد التبغية منعاً باتاً، وخاصة فوق صناديق المحاسبة، فبادرت بعض هذه المؤسسات إلى التزام مضمونه، لكن شركات التبغ سرعان ما أقنعت هذه المؤسسات بأن باستطاعتها وضع إعلانات التبغ داخل المحالّ التجارية، متذرّعة بأنها قدمت مطالعة قانونية لوزارة الاقتصاد بهذا الشأن.

وتبين بحسب وثائق حصلت عليها «الأخبار» أن شركات التبغ العالمية المسيطرة على صناعة القرار داخل إدارة الريجي، والمتحالفة بنحو وثيق مع أصحاب رخص «رئاسة بيع منتجات التبغ بالجملة» قد سعت جاهدة خلال الأشهر الماضية إلى تعطيل مفاعيل المرسوم المنظم للافتات إعلان بيع منتجات التبغ.

ويسمح هذا المرسوم لبائع منتجات التبغ بالجملة وضع لافتة أو إشارة على الواجهة الأمامية لمؤسسته، تفيد بأنه موزّع معتمد من قبل الريجي، على أن يظهر بوضوح رقم الرخصة الممنوحة له. في المقابل، يحظر عليه وضع أي شعار أو علامة تجارية سواء لأحد منتجات التبغ أو لغيره من المنتجات على اللافتة الخارجية باستثناء علامة الريجي التجارية. كذلك يسمح لبائع التبغ بالتجزئة بعرض لافتة واحدة فقط داخل محله، تفيد بأنه يبيع منتجات التبغ على أن لا تتجاوز هذه اللافتة حجم ورقة قياس الـ A5، وأن تتضمن عبارة «هنا تباع منتجات التبغ» باللون الأسود على خلفية بيضاء من دون استعمال أسلوب مميز من شأنه جذب الانتباه.

مفاعيل مخالفة هذا المرسوم، التي تصل عقوبتها إلى ٤٤ مليون ليرة، بقيت من دون تطبيق، وخصوصاً من قبل مراقبي وزارة الاقتصاد الذين اكتفوا بإنذار أصحاب المؤسسات التي تضع الإعلانات التبغية داخلها، ولم يبادروا إلى تحرير مخالفات، رغم أنهم جزء من الضابطة العدلية المكلفة تطبيق قانون الحدّ من التدخين.

وتكشف عريضة موقعة من عشرات تجار بيع الدخان بالجملة أرسلت إلى وزير الاقتصاد نقولا نحاس أن هؤلاء ممتعضون من «الإجراءات التعسفية» التي يقوم بها ممثلو وزارتي الصحة والاقتصاد لجهة إخطارهم بنزع الإعلانات التجارية للدخان من داخل محال البيع بالجملة والمفرق. ولقد تذرع هؤلاء بأن هذه الإعلانات «تتضمن معلومات تمكن المستهلك من أخذ القرار الصائب حول استهلاكه للمنتجات التبغية، وأن نزعها يمثّل تعدياً على قانون حماية المستهلك وعرقلة له من التفريق بين البضائع القانونية وغير القانونية»! ولقد أُلحقت هذه العريضة بمطالعة قانونية من المستشار القانوني لإدارة حصر التبغ والتنباك، المحامي جو عيسى الخوري، الذي رأى أن «إضافة شروط لا يتضمنها قانون الحدّ من التدخين تمثّل مخالفة صارخة للقانون». وحاول الخوري في مطالعته اللعب على المصطلحات التي تضمنتها المادة ١٢ من قانون الحدّ من التدخين، فأبدل في معرض تفسيره لهذه المادة عبارة «أماكن عمومية» بعبارة «طرقات عمومية» في محاولة لتعطيل الحظر الصريح والنهائي للإعلانات الذي نصت عليه المادة ١٢ من خلال منعها للإعلانات «بأي وسيلة تمكن المارة في أماكن عمومية من مشاهدتها». كذلك اعترض الخوري على الكتاب الذي وجهته وزارة الصحة إلى أصحاب المؤسسات التجارية لجهة منع الإعلانات فوق صناديق المحاسبة وعدّه مخالفاً للقانون، مشيراً إلى أن «الريجي» سبق لها أن أوضحت «أن الحظر لا ينطبق على الإعلانات واللافتات التي توجد داخل المحالّ».

وإزاء هذا التحالف الواسع من شركات التبغ والمدعوم من إدارة الريجي والضغط الذي مارسه تجار البيع بالجملة على وزارة الاقتصاد، طلب الوزير نقولا نحاس من هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل إبداء الرأي في «قانونية وضع إعلانات ودعايات لماركات الدخان داخل المؤسسات والمحال التجارية بالاستناد إلى قانوني الحد من التدخين وحماية المستهلك. وبعد خمسة أيام من ورود الطلب أصدرت القاضية ماري تريز المعوشي رأياً استشارياً يقع في ثلاث صفحات حسمت فيه الجدل وشكّل صفعة قوية لشركات التبغ وإدارة حصر التبغ والتبناك، أبرز ما جاء فيه: «إن تعداد الأماكن العمومية المقفلة الوارد في المادة الأولى من قانون الحد من التدخين جاء على سبيل المثال لا الحصر، الأمر الذي يستخلص منه أن المشترع رمى إلى أن يشمل مختلف الأماكن المقفلة في أحكامه، وإن تقرير لجنة الإدارة والعدل حول اقتراح هذا القانون قد اعتبر أن المنع جاء مطلقاً لكافة وسائل الدعاية والإعلان، وإن مفهوم المارّة هو عبارة عن الشخص الذي يمر سواء في الأماكن العمومية المفتوحة أو المغلقة، وإن الاتفاقية الدولية المعنية بحظر التدخين، التي صدر القانون إنفاذاً لالتزامات لبنان الناتجة منها قد فرضت حظراً شاملاً على الإعلان إذا لم يكن دستور البلد يمنع هذا الحظر، وإن لبنان لم يتحفظ على هذا الموضوع لدى إبرام الاتفاقية لعدم وجود أحكام دستورية تمنع من الحظر. وخلصت المعوشي إلى أن حظر الإعلان المنصوص عليه في المادة ١٢ من قانون الحد من التدخين جاء شاملاً ومطلقاً في الأماكن العمومية المفتوحة أو المقفلة عندما يمكن المارّ فيها أو عبرها أو خارجها أن يشاهدها».

رئيسة جمعية «حياة حرة بلا تدخين» رانيا بارود قالت لـ«الأخبار» إن الرأي الاستشاري لوزارة العدل يمثّل انتصاراً لكل الساعين إلى تطبيق القانون ١٧٤. وأعلنت بارود أن وزارة الاقتصاد قد وعدت الجمعية بأنها بصدد البدء بتحرير مخالفات بحق المؤسسات التجارية التي تضع إعلانات للدخان بدءاً من منتصف الشهر الجاري.

وفي مبادرة من جمعية «حياة حرة بدون تدخين»، لتعريف المواطنين بالعقوبات التي ينص عليها قانون الحد من التدخين، وزعت الجمعية، أول من أمس، بالتنسيق مع قسم الشباب في الصليب الأحمر اللبناني «ضبط محبة» على رواد المقاهي في منطقة أنطلياس. وهو شبيه بالضبط الرسمي الذي يفترض تحريره بحق الذين يدخنون في الأماكن العامة، والذي تبلغ قيمته ثلث الحد الأدنى للأجور، أي ما يعادل ١٣٥ ألف ليرة لبنانية، والذي سيشمل بدءاً من ٣ أيلول المقبل تدخين النارجيلة في الصالات المقفلة داخل المطاعم والمقاهي.

وقد منع عدد من أصحاب المقاهي في أنطلياس شباب الصليب الأحمر من الدخول إليها، وقال مسؤول مقهى: «نحنا عم نترزق من الأركيلة، شو جايين تعملو هون؟»، فيما استقبلت صبية بابتسامة «ضبط المحبة» في مقهى بتي كافيه، قابلته بنفث ما في حلقها من دخان بوجه المتطوعين وعدسات الإعلام متسائلة: «يعني الأركيلة كمان ممنوعة؟!».

تعطيل مرسوم «التحذيرات الصحية»

سعت «الأخبار» إلى معرفة السبب الذي يمنع وزير الصحة علي حسن خليل (الصورة) من توقيع مرسوم تنظيم «التحذيرات الصحية الواجب تدوينها على عبوات منتجات التبغ». لكن المكتب الإعلامي للوزير لم يقدم جواباً عن هذا الأمر. وعلمت «الأخبار» أن تأخير صدور هذا المرسوم هو جزء من الحرب المفتوحة التي أعلنتها شركات التبغ والتي نجحت في تأخير تصديق مجلس النواب على القانون لمدة تزيد على ثماني سنوات. وأكدت مصادر متابعة لهذا الملف أن مرسوم التحذيرات الصحية مجمّد في دُرج الوزير خليل، رغم أنه خضع لاستطلاع رأي مؤسسة المقاييس والمواصفات اللبنانية ولاستشارة مجلس شورى الدولة. وتبيّن أن سبب التجميد اعتراض إدارة الريجي المعلن على حجم العبارات التحذيرية ومضمونها، التي يجب أن تغطي ٤٠٪ من إجمالي مساحة علبة التدخين، في حين أن الاعتراض غير المعلن هو تعطيل الأغلفة الجديدة للتبغ من إمكان تهريبها إلى سوريا التي بلغت أرقاماً قياسية في عام ٢٠١٢.